عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

463

اللباب في علوم الكتاب

الثالثة : قال عطاء ، وعكرمة : نزلت في العباس بن عبد المطّلب ، وعثمان بن عفّان - رضي اللّه عنهما - وكانا قد أسلفا في التمر ، فلما حضر الجذاذ ، قال لهما صاحب التمر : إن أنتما أخذتما حقكما ، لا يبقى لي ما يكفي عيالي ! فهل لكما أن تأخذا النصف ، وتؤخّرا النّصف ؛ وأضعف لكما ؟ ففعلا ، فلما جاء الأجل ، طلبا الزيادة ، فبلغ ذلك رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - فنهاهما فأنزل اللّه هذه الآية ؛ فسمعا وأطاعا وأخذا رؤوس أموالهما « 1 » . الرابعة : قال السّدّيّ : نزلت في العباس ، وخالد بن الوليد ، وكانا شريكين في الجاهلية ، يسلفان في الربا إلى بني عمرو بن عمير ، وناس من ثقيف ، فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة في الربا ؛ فأنزل اللّه هذه الآية « 2 » . فقال النبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - في « حجة الوداع » في خطبته يوم عرفة « ألا كلّ شيء من أمر الجاهليّة تحت قدمي موضوع ، ودماء الجاهليّة موضوعة ، وإنّ أوّل دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث ، كان مسترضعا في بني سعد ؛ فقتله هذيل ، وربا الجاهليّة موضوع ، وأوّل ربا أضع ربا العباس بن عبد المطلب ؛ فإنه موضوع كلّه » « 3 » . فصل [ في دلالة قوله « إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ » على الإيمان ] قال القاضي « 4 » قوله : « إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ » يدلّ على أنّ الإيمان لا يتكامل إذا أصرّ الإنسان على الكبائر ، ولا يصير الإنسان مؤمنا على الإطلاق ، إلّا إذا اجتنب كل الكبائر . والجواب : لمّا دلّت الدلائل الكثيرة المذكورة في قوله تعالى : « الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ » على أنّ العمل خارج عن مسمّى الإيمان ، كانت هذه الآية محمولة على كمال الإيمان وشرائعه ، فكان التقدير : إن كنتم عاملين بمقتضى شرائع الإيمان ، وهذا وإن كان تركا للظاهر لكنا ذهبنا إليه ؛ لتلك الدلائل . فإن قيل : كيف أمر بالمحاربة مع المسلمين ؟ قلنا : هذه اللفظة قد تطلق على من عصى اللّه غير مستحل كما جاء في الخبر « من أهان لي وليّا ، فقد بارزني بالمحاربة » ، وعن جابر ، عن النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « من لم يدع المخابرة ، فليأذن بحرب من اللّه ورسوله » وقد جعل كثير من المفسرين والفقهاء قوله : إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [ المائدة : 33 ] أصلا في قطع الطريق من المسلمين ، فثبت أن ذكر هذا النوع من التهديد مع المسلمين وارد في كتاب اللّه وسنة رسوله . وفي الجواب عن السؤال وجهان : الأول : أن المراد المبالغة في التهديد دون نفس الحرب .

--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 22 - 23 ) . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 22 ) وانظر « تفسير الرازي » ( 7 / 87 ) . ( 3 ) أخرجه مسلم كتاب الحج ( 147 ) وانظر تفسير ابن الجوزي « زاد المسير » ( 1 / 332 ) . ( 4 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 7 / 87 .